الخميس، 28 فبراير 2013

الدكتور علي جمعة:‏ فوضي الخطاب الديني والفرقة والتناحر بين أبناء الوطن أبرز التحديات أمام المفتي الجديد


الدكتور علي جمعة مغادرا دار الإفتاء‏
تنفرد الأهرام اليوم‏,‏ بنشر حوار لفضيلة الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية قبل أيام قليلة من تسليمه مهام منصبه للمفتي المنتخب الدكتور شوقي إبراهيم صباح الاثنين القادم بعد عقد من الزمان تربع فيه علي دكة الإفتاء في الديار المصرية نجح خلالها في وضع الدار علي خريطة المؤسسات الدينية الفاعلة في مصر والعالم‏.‏
وعلي قدر فتاواه الوسطية والمستنيرة, وما أثاره من جدل علي الساحة السياسية والدينية بسبب فتاواه وآرائه الجريئة, يفتح الدكتور علي جمعة خزائن أسراره ويقدم نصائحه للمفتي الجديد والشعب المصري في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد.
قضايا ونصائح ورسائل عديدة وجهها الدكتور علي جمعة الي جميع المصريين في حواره الأخير ولكنه في أثناء مغادرته مكتبه وصولا الي سيارته بعد انتهاء الحوار حكي لنا مسيرة حياته قبل التحاقه بالأزهر بعد تخرجه في جامعة عين شمس وكيف ساقته الاقدار الي دار الإفتاء.
ما شعور فضيلتكم قبل3 أيام من تسليم مهام منصبك إلي المفتي المنتخب؟ وما تقييمكم لتجربة انتخاب المفتي؟
أشعر بالرضا أن أعانني الله تعالي علي أن أقوم بأداء هذه المهمة علي الوجه المرجو-رغم وجود تقصير هو من شيم العمل البشري- وأسأله أن يقبله مني إن شاء الله, كما أشعر أيضا بالفخر بالمؤسسة الدينية في مصر التي ضربت مثالا للرقي والتميز بتجربتها بانتخاب مفت للجمهورية, فعملية الانتخاب تمت من خلال هيئة كبار العلماء بطريقة مهنية نزيهة تعد بحق علامة فارقة في تاريخ المؤسسة الدينية, وهذا هو دأب المؤسسة الدينية في مصر التي تحرص دائما علي خدمة الوطن والمواطنين, والتي تؤكد التطوير والبناء وأيضا التلاحم والتعاضد الذي هو سمة أساسية لأبناء الأزهر الشريف, كما أنني بفضل من الله تعالي قمت بإرساء العمل المؤسسي بدار الإفتاء المصرية, والتي تحولت في فترة منصبي من مجرد كينونة مرتبطة ارتباطا وثيقا بشخص المفتي إلي مؤسسة حديثة تضم بين جدرانها مجلس أمانة الفتوي كنظام داخلي وهيكل تنظيمي وإداري تتيح التواصل مع طالبي الفتوي في العالم بلغات مختلفة, أسأل الله تعالي أن يعين المفتي الجديد أن يستكمل المسيرة من أجل أن تصبح دار الإفتاء المصرية النموذج الذي تحتذي به مؤسسات الدولة كلها من أجل النهوض بهذا الوطن الحبيب لتعود مصر إلي سابق عهدها من الصدارة والتقدم والرقي.
وما نصيحتك للمفتي الجديد الدكتور شوقي علام؟
بداية أسأل الله تعالي أن يعينه علي هذا الأمر, لأن أمامه مهام جساما في ظل هذه الفوضي في الخطاب الديني, وانتشار المنابر التي تبث الفرقة بين أبناء الوطن الواحد, ولا ينسي أنه موقع عن رب العالمين, وعليه أن يعلم أن العمل المؤسسي هو أقصر الطرق للوصول إلي نجاحات تلو النجاحات, والحمد لله العمل المؤسسي متوافر في دار الإفتاء, وأيضا توجد بالدار كفاءات في الصف الثاني والثالث والرابع عليه أن يستغلها في رفعة شأن المؤسسة والنهوض بها وخدمة الأمة أيضا, كما أن علي المفتي الجديد أن يمد يده للجميع ويدعو الجميع للحوار والنقاش والبحث عن المشترك بين الجميع ما استطاع إلي ذلك سبيلا, وأدعو الله تعالي له التسديد والهداية والتوفيق.
ما خطتك المستقبلية بعد الإفتاء؟
أنا مستمر في خدمة ديني ووطني وإخواني, لأن مشايخنا علمونا أن عالم الدين أكبر من أي منصب, وأن المنصب لا يضيف إليه بل هو من يضيف للمنصب, وهو لا ينقطع علمه ولا يتوقف عطاؤه في سبيل خدمة دينه وأمته, سواء كان في منصبه أو بعد أن يتركه أو بعد أن يرحل عن الحياة كلها, العلماء يعملون في أماكنهم لخدمة دينهم, علاوة علي أنهم يتركون من العلم والأثر النافع ما يعود بالخير والمنفعة علي الأمة والإسلام إلي يوم القيامة, والعلماء حريصون علي بذل مزيد من الجهد ويحرصون علي ألا تنقطع هذه الجهود أو تتوقف عن خدمة الإسلام في كل مكان وعن توصيل الرسالة العليا للإسلام, نحن نخدم الإسلام من خلال وجودنا في مواقعنا, ونخدم الإسلام حتي بعد رحيلنا عنها وعن الدنيا, وشغلنا الشاغل هو رفعة هذا الدين والذود عنه وصد كل وسيلة من الوسائل التي تريد أن تنال منه وتفت في عضد الأمة الإسلامية, ينبغي أن يشغلنا في الوقت القادم هموم الوطن والإسلام وليس غيره, هي رسالة حملناها علي عواتقنا ولن نضعها إلا بعد أن يسترد الله عاريته.
ما دور دار الإفتاء كإحدي المؤسسات الدينية الرسمية في مصر؟
المؤسسة الدينية الرسمية في مصر مكونة من الأزهر وهي مؤسسة عريقة ولها الريادة الخاصة بها ويتبعها كل من جامعة الأزهر ووزارة الأوقاف والمجلس الأعلي للشئون الإسلامية ومؤسسة رابعة هي دار الإفتاء المصرية, ودور دار الإفتاء المصرية هو الرد علي أي تساؤلات توجه إليها في الموضوعات الدينية المتعلقة بطلب رأي الدين أو الفقه فيها وأيضا القضايا التي تجد علي المسلمين, وهذا ما تقوم به الدار منذ نشأتها وتطورها حتي الآن, ودائما الدار علي استعداد للإجابة والرد علي أي تساؤل أو ظاهرة تحتاج رأي الدين, وهناك فرق بين الإفتاء والرأي; لأن الحكم علي الشيء فرع عن تصوره, أي لا بد أن يتصور المفتي المسألة الفقهية ثم يقول فيها رأيه, وهذا يوضح الخلط الموجود بين الآراء والفتاوي والذي يقع فيه الكثير, وأيضا هناك فرق بين الموعظة والفتاوي, وكثير من الناس يخلطون بين الخطاب الديني والفتاوي.
وهل حققت كل ما تمنيته في دار الإفتاء؟
لله تعالي الفضل والمنة في كل فضل من الله تعالي به علينا, في الفترة الماضية وفقنا الله لجعل دار الإفتاء المصرية مؤسسة بمعني كلمة مؤسسة, وفصل المؤسسة عن الأشخاص, والحمد لله الذي وفقنا لهذا, وإنه لكي يتم تحويل العمل بأي مؤسسة من العمل الإداري إلي العمل المؤسسي لا بد من عدة أشياء منها الاستفادة من إمكانات تلك المؤسسة بالداخل والخارج بما يخدم الإسلام والمسلمين, وإنشاء الإدارات والأقسام المتخصصة, والتعاون مع كافة المنظمات والهيئات العربية والإسلامية, ووضع الخطط المستقبلية التي تناسب المرحلة القادمة, وعدم اختزال المؤسسة في الشخص, واستطاعت الدار أن تنقل خبراتها العلمية والإدارية وتقدم كافة أشكال الدعم لتلبية احتياجات مسلمي العالم من خلال التعليم والتدريب والإرشاد في المجالات الشرعية, وإنشاء حلقات وسبل للتواصل الدائم والمستمر بينها وبين المؤسسات الشرعية في الدول الإسلامية والغربية من أجل الحفاظ علي الهوية الإسلامية والوسطية المعتدلة والتصدي لأي محاولات لنشر الأفكار غير الصحيحة.
وهل أسهمت الدار في حل بعض القضايا المطروحة في الفترة الحالية؟
دار الإفتاء حريصة علي أن تكون حاضرة في كافة القضايا التي تهم المسلمين, وأن تظهر للناس الأحكام الشرعية لبعض القضايا والظواهر الاجتماعية التي تجد في المجتمع من حين لآخر, وفي الفترة الأخيرة رصدنا بعض الظواهر السلبية في المجتمع وخرجت بعض الفتاوي التي حاولنا من خلالها القضاء علي تلك السلبيات ومنها فتاوي مواجهة السلوكيات الخاطئة في المجتمع مثل احتكار السلع وغلاء الأسعار وبيع الدقيق المدعم وكذا حرمة بيع أدوية التأمين الصحي لغير المستحقين, والضرب المبرح للتلاميذ وغيرها من القضايا, أيضا كانت هناك فتاوي تدعو إلي التكافل الاجتماعي مثل فتاوي الغارمين وجواز استخدام المسلمين أموال الصدقات من غير المسلمين والعكس, وأيضا تحاول الدار من خلال إداراتها التواصل مع الأمة في مواسم الحج والعمرة والصيام وتقديم الرأي والمشورة لحسم بعض المسائل الخلافية والجدلية التي تظهر علي الساحة الإسلامية, وتنشر هذه الآراء من خلال كتيبات توزع مجانا علي المسلمين لتوعية المسلمين بأحكام دينهم وعباداتهم في مواسم الخير.
ما أهم المحاور التي يجب أن نركز عليها في الفترة القادمة من وجهة نظر فضيلتكم؟
أولا التنمية ولابد أن تكون علي وجهين, الوجه الأول مواجهة مشكلاتنا الكبري وعلي رأسها البطالة والفقر المزمن, والقضاء علي العشوائيات. والوجه الآخر يتعلق بالابتكار والإبداع والتجديد والتطوير. ثانيا قضية التعليم لأن التعليم لا بد من تطويره بما يخدم الأمة وأيضا دعم البحث العلمي لأن هذا التطوير مرتبط بعملية التنمية, مادام كان هناك تطوير في التعليم فهذا بدوره سينعكس علي التنمية, وأعتقد أن هذا أشد ما تحتاج إليه مصر حاليا; فمستقبل مصر يتعرض لاختبار صعب علي المستوي السياسي والاقتصادي, لكن الإرادة الجمعية للشعب المصري مصممة علي تخطي هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الوطن, وعلي الشعب كله أن يتكاتف من أجل الوقوف أمام هذا الخطر وتخطي المرحلة الحالية بالعمل الجاد علي كل المستويات وإغلاق كل أبواب الفتنة والمشاركة البناءة وعدم السماح لأي شخص بتزوير إرادتهم, وكل هذا سيتم في أقرب وقت إن شاء الله تعالي.
من خلال خبراتكم في المجال الدعوي ما أبرز التحديات والمخاطر التي تواجه الأمة الإسلامية وما السبيل للخروج منها؟
تتمثل هذه التحديات والمخاطر في ظاهرة الفرقة والشقاق والخلاف بين أصحاب المعتقد الواحد, وأيضا غياب أدب الحوار, وارتفاع وتيرة التخوين والطعن في الآخر ومصادرة آرائه وفرض الوصايا علي كل ما يصدر منه, وهذا الداء خطير جدا علي المسلمين, كما أن ظاهرة التسطيح الديني تعد من أهم التحديات التي تواجه الأمة والتي تركز علي المظهر الخارجي والقشور بعيدا عن جوهر الدين الإسلامي بما يمتاز به من قدرة علي التعامل في إيجاد الحلول الناجعة لكل ما يستعصي علي المسلم, كما أن الأخطر من كل هذا هو الخلط في المفاهيم بمعني الخلط بين كل ما هو سياسي وديني وبين ما هو ديني وعام وبين ما هو فتوي وما هو رأي, كل هذا من شأنه أن يخلق حالة من الضجيج والفوضي في المجتمع والتي يستحيل معها التوصل إلي أي حلول للأزمات التي تواجه الأمة, ولكي نتغلب علي كل هذا لا بد من أن نتخلق بأخلاق النبي ونهتدي بهدي الإسلام بعيدا عن التشدد والمغالاة والالتزام بالوسطية والاعتدال وهو منهج الأزهر الشريف, ونضيف لكل ما سبق إخلاص النية لله تعالي والعمل علي خدمة الدين الإسلامي بعيدا عن النظرة الشخصية للأمور للحفاظ علي تماسك ووحدة الأمة الإسلامية.
تسيطر علي المجتمع اليوم العديد من ظواهر التطرف الفكري والتشدد كيف يمكن نشر مبدأ الوسطية في المجتمع؟
نستطيع أن ننشر الوسطية عندما يستمع الجميع إلي المنهج الوسطي والمعتدل الذي يتصف به الإسلام; لأن الغلو والتطرف والتشدد ليست من طباع المسلم الحقيقي المتسامح المنشرح الصدر, ولا من خواص أمة الإسلام بحال من الأحوال, ومنهج الدعوة إلي الله يقوم علي الرفق واللين, ويرفض الغلظة والعنف في التوجيه والتعبير والتوازن والاعتدال والتوسط والتيسير, ومن خطورة التطرف والتشدد أنه تسبب في تدمير بني شامخة في حضارات كبري, وهو بكل أشكاله غريب عن الإسلام الذي يقوم علي الاعتدال والتسامح, ولا يمكن لإنسان أنار الله قلبه أن يكون مغاليا متطرفا ولا متشددا, ولكي نبتعد عن الخلافات والانشقاق لا بد من جلوس كل التيارات والقوي للحوار وبحث وتدارس القضايا التي تنهض بالأمة, حتي نستطيع توحيد الكلمة وتحقيق صالح البلاد والعباد, والوصول إلي مشترك فكري يمكن في إطاره إدارة الحوار البناء الذي ينهض بالبلاد والعباد حتي نتجاوز ما هو مختلف فيه, وضمان وجود السلام الاجتماعي الذي في ظله ينعم الجميع بحياة آمنة.
ما مسئولية الإعلام في الفترة الحالية؟ وما المطلوب منه للمساهمة في تقدم مصر؟
أدعو وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة أن تكف عن إثارة القضايا السطحية التي لا طائل ولا منفعة للوطن من ورائها, وألا تسهم في نشر الشائعات التي تبث من أجل زعزعة أمن واستقرار البلاد, ومن أجل أن تبث روح الفرقة والشقاق بين أبناء الوطن الواحد, وعلينا البدء فورا في مناقشات موضوعية حول القضايا الجوهرية للوطن, والتي ترتقي بالمجتمع المصري, والحث علي النهوض بالأمة في جميع المجالات, كما أدعوهم جميعا لوضع ميثاق شرف إعلامي لمواجهة مثل هذه الظواهر وكيفية الحد منها من أجل النهوض بمصر الجديدة والبعد عن كل المعوقات التي قد توقف قاطرة التنمية في البلاد.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons